عودة الشامان

حسان بورقية

 

   " أحيانا أنكبُّ على التفكير في نُسَّاكِ "طِيبَة" الذين كانوا يحفرون قبرا ليسكبوا فيه الدموع ليل نهار. وإذا ما سُئلوا عن سبب أساهُم، أجابوا بأنهم يبكون أرواحهم. في الصحراء الخالية، القبر واحَةٌ، مكانٌ وسنَدٌ. يحفرون ثقبا كي يمتلكوا نقطة ثابتة في الفضاء، ويموتون كيْ لا يتيهوا" ( سيوران، اعترافاتٌ ولعناتٌ ).

   كانت الحافلة تسير بنا فجرا، جميعا، كسفينة ، لتهريبنا إلى الجنوب، من بوسعيد، المدينة الساحلية الهادئة، الخضراء والجميلة، إلى قفصة وجوارها، توزر والشابّية في ظل روح أبي القاسم الشابي، عند تخوم مدن شبحية في أرضٍ بَلْقَعٍ. كان الجو حارا. ديكور الفندق ثقيل، نصف حديقته مهجور وشجيْراته صارت على حافة الاحتضار. الناس تتابع سيرة كل غيمة لاحتْ في الأفق البعيد وتنتظر ما لن يحصل. في خُلْدِ الفنانين الذين أتوا لِرسم قفصة، صورٌ وأفكار ومشاريع سرعان ما هالَها رعب الطريق، الحرُّ، ذكرى مدينة سيدي بو زيد، اليبابُ، القاذورات والمنازل العارية التي لم يكتمل بناؤها.. لا شيء سوى التراب... تُحسّ كأن الناس هجروا المكان وركدت الحياة إلى حين و " كل ما هبّ، وما دبّ، وما  //  نام، أو حام في هذا الوجود " ( الشابي ) قد رحلوا، بقي المكان مُتورِّماً، الهواء مُعْتلاّ ولا شيء إلاّ القفار والأطلال وحطام الأرواح...تلك كانت الرديف المدينة..

   ألِهذا عاد الشامان إلى المكان مُطِلاّ من كاميرا الفنان الفلسطيني بشار لحْروب، عاد لأن في الفضاء مرض، لأنه يؤمن بأنه " حيثما يوجد مريضٌ، فثمّة مُعالِجٌ أو وسيطٌ يرى ما لا يُرى " كما قال سْوامي موكْتانْدا ؟

   يجسد الشامان في هذه الأعمال الفنية، الفنان حسن القمري، الذي قدّم نفسه تحت اسم "عصفور"، كناية خارجة من نسيج كنايات الهنود الحُمْر.. يعود كالساحر، من زمن آخر، شبه عار، كالسحرة في الثقافات " البدائية "، ليلتقي بأرواح أجداده الذين هجروا، الآلهة الخرافية، الكائنات الطوطمية، الأرواح والقوى اللامرئية التي تحرس الجماعة البشرية في هذا المكان وتساعدها على الحياة في توازن مع القوى الطبيعية، تصاحبها في مسيرتها الأرضية، في رحيلها المُجَسّدِ هنا بالطريق المعبدة التي ابتلعت الجماعة كما ابتلعت الصحراءُ " رجالا كانوا في شمس" غسان كنفاني، كالوباء والأسلحة الكيمياوية أو ما لا يُرضي "القوى" الخفية...

   استدعاء الشامان يكون عادة في الظروف المأساوية، ليُرمِّم أزمة نفسية ترتّبتْ عنْ أعطاب مزمنة غامضة، متداخلة، وحده الشامان يملك مفتاح سبْرِها بنفاد رؤيتِه التي امتلكها بعد تربيةٍ قُصْوَوِيةٍ تدربت على سماع ما لا تسمعه أذنٌ، والإبْصار بما لا تراه عينٌ، بعد زهدٍ طويلٍ، وعُزْلاتٍ قاسية داخل صمتٍ كصمت القبور، كيْ توحى إليه الرؤيا ورسالة أجداده الروحانيين التي تخوّلُ له العبور إلى معنى التجربة واستقبال الإشارات ورموز الطاقة التي تسعفه في التدخل في ما تصدَّع وتشقّقَ في الواقع وفي حياة الناس.

   هناك خاصية جوهرية في النسق الشاماني، تتمثل في المفهوم الأساسي الذي يسمى الشّافي الجريح. أي أنه لكي يتمكن من إشفاء ومعالجة الآخرين، لابد أن يكون بدوره قد تعرّض لجرحٍ لا يُشفى منه كليةً إنما يتعايش معه ويحاول تخفيفه ومن خلاله يسعف الآخرين.. إذْ بقدرما يبقى على صلةٍ بآلامه الخاصة مدى ما طالتْ وظيفته،يبقى حساسا ومهتما بلاوعيِه الذاتي ويبقى قادرا على التدخل في " أقدار" الآخرين ومساعدتهم.  وجدت شبيه هذا في قصيدة لبدر شاكر السياب، يقول فيها : " حين عرّيْتُ جرحي وغطّيْتُ جرحا سواه // انتفى السور بيني وبين الإله ". يكتسي الآخرون صبغة الخلاص، لا الجحيم، كما رأته الوجودية الفرنسية على لسان جان بّول سارتر.

   عليّ أن أترك الشامان يستريح لحظة وسأعود إليه لاحقا..

   ماذا كان بشار لحروب يصور؟ ولماذا ناداه فضاء الرديف وحلمت به الطريق إلى هناك؟ لماذا قرّر بأن " هذا " يستحق أن يُسَجَّل وأن يُرى؟ وهل فعلا ما نرى نحن هو ما قصده أو ما أخفاه وراء " طريدةٍ " تضليليّةٍ سمّاها الشامان؟

   إن اللحظة الفوتوغرافية لحظةٌ بيوغرافية ( سير- ذاتية ) أو تاريخية، لا تقاس مدّتُها بالثواني بل بعلاقتها بحياة كاملة. وما سجلتْه الصورةُ هنا، يُحيلُنا بالضرورة على ما لم يُشاهَد. لأن ما فعلتْه هو عملية عزلِ، محافظةِ وعرْضِ لحظةٍ قُصّتْ من مجرى معيّنٍ. وبما أن الصورة لا تملك لغة خاصة فإننا تعلّمْنا أن نقرأ الصور كما نقرأ آثار الخطو أو شبكة تخطيط النبض، أي كما يقرأ الشامانُ الكوْنَ ككتابٍ مفتوحٍ. إذن، " اللغة " التي تُعالجها الصورة هي لغة الأحداث. كل مرجعياتُها توجد خارِجَها. هو ذا ما سُمي سابقا بمجرى سيرورة معينة. وبما أن الفنان الفوتوغرافي لا يمكنه أن يتدخل في موضوعه مثل الرسام، فإن مهمته تقتضي فقط اقتناص اللحظة التي عَزَل، لا لِيقول، بل ليُفشي، كيْ تسمعه عينُ المشاهِد.. لذا قلنا بأن ما تثيره الصورة لا يعرضه الفنان على الأنظار، لأن الصورة هي في الحقيقة وسيلة لفحْصِ، لتأكيدِ وبناءِ مشهدٍ عام للواقع، وهي الدليل على لقاء الفنان بالحدث، لقاءً توقِّفُ فيه الصورةُ الزمنَ وتُثبِّته.

   أعمال الفنان بشار لحروب التي سبق لي أن شاهدت في تونس، وتحدثنا عنها قليلا، أكدت لي بأن هذا الرجل منحازٌ لموقفٍ معين، يترك موضوعه يشاهدنا: بشار اختار أن يكون الأمر كذلك..حتى تحصل المواجهة بيننا وبين كائناته ومناظره المعروضة، لأنها كلها، كسائر أعماله توحي بمجرى ثقافيٍّ أو تاريخيٍّ مبثوثٍ في الصور كالدّمِ في البدن.

   ماذا يفعل بشار لحروب بأحلام هذا الشامان؟ بأحلامه هو؟ أليْسا في النهاية رجلا واحدا يتجول بحثا عن قِطَع حلْمِه؟ كان يلتقط القطع ويرتبها مع بعضها بعضا ليصنع رايةً، ليشفى من حنينٍ، ليزرع الإنسانية والحرية والحياة في ما لم يعد هناك.. كنت قد شاهدت هذا الفضاء الفوسفاطي المسموم الذي هجره الناس خوفا من الأورام المتربصة، المتكلسة على أطلال الديار والآلات والمصانع الظاهرة كبقايا وشمٍ. وبقليلٍ من التعديل التاريخي، ذكرتني هذه الأعمال بصورة احتضار غيفارا التي الْتُقطت له بزريبة قرب مدينة بِيلاّغْراندِه الصغيرة ونُشرت يوم الثلاثاء 10 أكتوبر من سنة 1967؛ بصورة الطفلة الفيتنامية العارية بهيروشيما في 8 يونيه 1972، وبمَشاهِدَ بعدَها في فلسطين ولبنان وغيرهما عندما يتحول الوجود كله إلى خرابٍ وتصير الأخلاقُ لا أخلاقية والناس مثل نُسّاكِ " طيبة ".. كذلك بجمال ثانٍ وضع عليه جان جونيه يده في كتابه " أسير عاشق "..

   يعود الشامان هنا، إلى هذه الأرض التي يمكن أن تكون أي مكان آخر يتكرر فيه التاريخ. لا أحد يشهد من أجل الشهادة. ومع ذلك نختار دائما رفيقا مّا: لا من أجلنا، لكن من أجل شيء فينا، خارجنا.. رفيق ضائع مسبقا، الضياع نفسه الذي حلّ من الآن محلّنا.. أين بالإمكان البحث عن شاهد لا شاهد له؟ كما قال موريس بلانشو عن بّول تْسيلان..

   كنت أشاهد صوَراً لمعرضٍ لاحق أطلعني عليها الصديق بشار لحروب، لأمكنة عبرها الحرب والموتُ والدمار. كان بشار يبحث عن كلام يسكنه عن منطق الإبداع ذاته الذي يحب أن يسكن في المنهار من الأشياء كالسنونو، كما يحب أن يتفتّق من الجرح.. وفي الخراب المتبقي، يحرِّك أرْمِدَة الفكر، أرمدة الكلام الذي كان، إلى وقتٍ قريبٍ، زمنَ حياةٍ، ذاك الذي يتوارى وينبعث مجددا. تتشابه هذه الأرض مع تلك. نقرأ الأولى في الثانية، في ثالثة ورابعة حيث تتكرر المشاهد، وفي زمان غير زماننا، تتحلل فيه الأجساد، يرحل الضحايا المغلوبون، وتُرَكَّزُ العينُ كل مرة على دمار وبقايا حياة مرتعشة تحته مثل لوحة  بّول كْلي "الملاك الجديد".. وكل مرة، في المشاهد هاته، يعود بين الناس شامانٌ رمزي يتقفى آثار الحروب وما خلّفه زرّاعو الفوضى، ليقيم في الخراب، لا حبّا فيه إنما حبا في  المسارب التي يمكن أن يفتحها فيه.

 

 كاتب و فنان تشكيلي / المغرب

 

 

 

 

 

 

 

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine