أجزاء من جسدنا

حسان بورقيه

 

هناك أجزاء من جسدنا، نحملها العمر كله دون أن نراها ولو مرة واحدة، إلا معكوسة في مرآة أو في عيون الآخرين، كظهرنا مثلا، قفانا أو وجهنا.. إنها أعضاء لم يعطها الفلاسفة حقَّها من التأمل والاهتمام مثلما فعل نيتشه مع الأنف..

أتابع بكثير من الاهتمام ما ينجزه بعض الرسامين المغاربة الشباب، ونبيل بودرقة واحدهم. هذا معرضه الفردي الثاني المهم، في رواق " ثيما "، بعد " فنيز كادر" من سنتين. أثناء حواراتنا الكثيرة، يرتوي من المناقشة، يبدي رأيه ويصغي بذكاء. يحاول تطوير عمله الفني والفوتوغرافي بالبحث الجدي والوفاء لما تمليه عليه رؤيته.. وهكذا هو ماضٍ في عمله وبحثه.

بعيدا عن البورتريهات الذاتية، الغيرية، أو بورتريهات الشخصيات والعائلة، يقدم بودرقة سلسلة مما يُسمى بورتريهات مزعومة، تبعده عن التصوير الواقعي، الوِضْعات، الديكور والتلوين.. التي تُعَوَّضُ كلها بفوران اللمسة والخط.. لأن المهم هو أن يستخرج إلى السطح ما يعتمل في العمق، ما يتخثَّر وينبت في الجوف. وهو ما فرض تلك الضربات العنيفة بالفرشاة، التلطيخ والحفر في السند الذي يرسم عليه، كأنها انزلاقات أرضية تحدث بين الواقعي والمتخيل وفي الفراغات المحدثة على الوجوه البشرية التي صارت تتخذ أبعادا وكثافة أخرى.

في هذه الأعمال التي يقدمها نبيل بودرقة اليوم لمشاهديه، نوع من القساوة في التعامل مع سنداته الورقية والخشبية، والتي تُجْبِرُ الحياةَ ومجهولَها على التفتُّقِ من هذا التخريب الناتج عن تلك القساوة. في بعض أعماله الصغيرة، حركةُ اهتياج، تألُّقُ لونٍ وأثرٍ.. كأن لا شيء تغيَّرَ، لكنَّ كلَّ شيء مختلف.

بودرقة، كما قلتُ، لا يرسم وجوها يعرفها. إنها تعلّةٌ وزعْمٌ. وهو ما يعطينا الانطباع بأنه لا يختارها، إنما يختار أن يواجِهَها، أن يتعارض معها، أن يجمعَها أحيانا في سندٍ واحد أو يحشرها في فضاء صغير وعُلَبِ هواتف أصغر.. وأجملها إطلاقا، عندما يضاعف ظلالَها، فتراها عاريةً تماما، شفافةً تماما، واقعيةً كإنسانٍ، أو كقِناعٍ على رمْلٍ، دون أن تتحرر من عنفها وإيقاعها. ذكّرني ذلك - وهذه ليست مقارنة - بجملة وردت في حوار بين سيلْفاسْتْر وفرانسيس بايْكون عندما قال في سياق الحديث عن لوحة " دم تْروتْسْكي على شرشف سرير" : " وأنا أحاول أن أرسم بورتريها، أفضِّل أن آخذ فقط حفنة من صباغة وأُلْقي بها على قماش،على أمل أن تكون الصورة فيها. "

هكذا يكون العمل العظيم أحيانا: ضربة واحدة تكفي. العنف والتجرُّدُ المطلقيْن. حضور الانسان في جرحه، في مةته. هذه الوجوه، وهي تنظر إلينا، تحدِّثُنا عن الموتِ ( وعن الحياة، بشكل آخر) كما لو كان المطلقَ الوحيدَ الذي نحن واثقون منه.. وعن لحمٍ أكثر عُرْيا، أكثر قلقا في انجرافه الوجودي. الأجساد لا نراها، كأنها انتفت، حفرتْ ثقوبا راحتْ فيها، تُنعشُ جُرْحا وتذكِّر بذاك الكامنِ وراء كلِّ لحظةٍ من اللحظات اليافعة والرشيقة.

لكننا في الصباغة. والموت في الصباغة، مجرد لونٍ، مجرد تعديلِ لونٍ. لعبةٌ، تضارُبٌ وعراكٌ مع الخط والفضاء. نفس ما تقومُ به العيْن، الفرشاةُ والجسدُ كلُّه. هلْ في هذا ما يشبِه النعاس، صرامَةَ النعاس التي تصبح انزلاقا كبيرا خفيفا يجعل من هذه الأعمال أعمالا منفلِتَةً.

 

كاتب وفنان من المغرب

الأعمال المرفقة للفنان المغربي نبيل بودرقه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

started 1 MAY 2010                 email : info@ila-magazine.com

design: gitta pardoel logo: modhir ahmed   © ila-magazine